بن عيسى باطاهر
194
المقابلة في القرآن الكريم
وقد بلغ من حفاوة الإسلام بالعلم أن جعله سببا للإيمان باللّه ، قال تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [ التوبة : 6 ] . قال أبو حيان في « البحر المحيط » : « في هذه دلالة على أنّ النظر في التوحيد أعلى المقامات ، إذ عصم دم الكافر المهدر الدم بطلبه النظر والاستدلال وأوجب على الرسول أن يبلغه مأمنه ، وفيها دليل على أنّ التقليد غير كاف في الدين » « 1 » . ومما هو واضح الدلالة على أهمية العلم في القرآن أنّه جعله وسيلة الإقرار بوحدانيته ، قال تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [ آل عمران : 18 ] ، « استشهد بأولي العلم دون غيرهم من البشر ، على أجلّ مشهود عليه وهو التوحيد ، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة » « 2 » . وجعل القرآن « العلم » سببا لإدراك أسرار الكون ، قال تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 42 ) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 41 - 43 ] . والقرآن الكريم هو أحد المصادر الهامة التي حاربت « الجهل » ، واعتبرته خطرا على العقيدة والتصور ، وعاملا من عوامل الصدّ عن الحق ، وقد أكثر القرآن من تنبيه النّاس على علّة استعصاء البشر عن قبول الحق الذي يفضون به إليهم ، هو ما ران على قلوبهم وعقولهم بسبب جهلهم « 3 » ، قال تعالى في ذمّ أهل الجهل : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [ التوبة : 6 ] ، وقوله أيضا : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [ المائدة : 58 ] ، وقد حذّر اللّه أنبياءه من الجهل فقال لنبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم :
--> ( 1 ) البحر المحيط - ج 5 - ص 375 . ( 2 ) عبد المجيد صبح - العلم والإيمان - ص 27 . ( 3 ) عبد المجيد صبح - العلم والإيمان - ص 28 .